ثائر الناشف

Loading...

الجمعة، 19 يونيو، 2015

الإرهاب في سوريا.. تعدد المصادر واختلاف الأهداف



ثائر الناشف

لم يعد الإرهاب في سوريا  ظاهرة طارئة أو حالة عشوائية، بل أصبح حقيقة واقعة، لا تخطئها العين، يطال الجميع بلا استثناء. وتتعدد مصادر الإرهاب وأسبابه، فهناك الإرهاب الممنهج الذي يمارسه نظام الأسد، منذ خمسين عامًا بدعم حلفائه الإقليميين وفي مقدمتهم روسيا التي تقدم له آلة القتل، وإيران التي تمده بالسلاح والعتاد والعنصر البشري.

وهناك أيضًا، إرهاب تمارسه الجماعات المتطرفة التي نبتت في سوريا جراء الظلم والقهر الذي وقع على شريحة كبيرة من الشعب السوري، ونتيجة للتراخي والتساهل الدولي في حل القضية السورية ووضع حد لجرائم نظام الأسد، بعد أن تخلى العالم عن إنقاذ الشعب السوري، وترك النظام يفرط في استعمال القوة ضده.

الإرهاب الذي يمارسه النظام السوري ضد الشعب السوري منذ أربع سنوات، وهي مجموع السنوات التي عاشتها الثورة السورية، يتشارك فيه العالم أجمع، فالجريمة التي يصمت عنها الشهود يكونون شركاء فيها، بحكم القانون والأعراف.

ولنظام الأسد سجل حافل بالإرهاب بشهادة المنظمات الدولية وفي مقدمتها مجلس الأمن الدولي، ومع ذلك لا يزال نظام الأسد طليقًا حتى الآن، دون أي ملاحقة قضائية دولية، في مخالفة واضحة وصريحة لمبادئ القانون الدولي.

كما أن الإرهاب الذي تمارسه الجماعات المتطرفة ضد الشعب السوري وإن كان لا يقل سوءًا عن جرائم نظام الأسد، لكن لا يمكن المقارنة بينه وبين إرهاب نظام الأسد الذي تجاوز كل الحدود من حيث الكم والكيف، وهو الأشد نكالًا بالشعب السوري.

يتشارك في الإرهاب الذي يطال الشعب السوري كل من النظام السوري وبعض الجماعات المتشددة، رغم ما يبدو من تباعد أيديولوجي بينهما، لكن كما تعرف السياسة منطق التحالف، و يعرف الاقتصاد منطق السوق، فإن الإرهاب يعرف أيضًا منطق الشراكة، فالنظام يرهب الشعب السوري من السماء بطيرانه الغاشم والجماعات المتشددة ترهب الشعب السوري من الأرض بتشدقها بتطبيق الشريعة الإسلامية بحسب فهمها وتأويلها للنصوص.

أطفال سوريا ضحايا إرهاب نظام الأسد
ويستقدم نظام الأسد في حربه ضد الشعب السوري كما تفعل الجماعات المتشددة، عناصر أجنبية متطرفة من خلفيات طائفية باتت معروفة للجميع، كدليل على حالة الإفلاس التي وصل لها حتى بين صفوف مؤيديه الذين باتوا يتبرمون اليوم من حربه العبثية التي حرقت الأخضر واليابس وأصابت المؤيد والمعارض.

وفي هذا الصدد، لا بد من التذكير بجريمة قصف الشعب السوري بالأسلحة الكيميائية التي استخدمها نظام الأسد في الغوطتين الشرقية والغربية في ريف دمشق في الحادي والعشرين من شهر أغسطس لعام 2013، رغم صمت العالم، وانحيازه وراء مصالحه الضيقة التي تمثلت في مصادرة سلاح الجريمة فقط المتمثل بالسلاح الكيميائي دون معاقبة الجاني. وهي جريمة إرهابية مكتملة الأركان لا تشوبها شائبة.

ولا يمكن الخلط بين الإرهاب والغضب الشعبي، فالإرهاب يحتاج لمستوى تنظيمي معين في نطاق الجماعة أو الكيان، أما على مستوى الأفراد فيمكن أن يسمى عنفًا منظمًا بردود فعل، وما يمارسه نظام الأسد في هذا السياق هو الإرهاب بعينه.

  ثم إن الغضب الشعبي الذي عبرت عنه الجماهير العربية من أقصى تونس إلى سوريا، ليس إرهابًا ضد أنظمتها، بل هو حالة احتقان عبرت عنها هذه الشعوب في سياق المظاهرات التي دفعت بها الى الشوارع والميادين، في لحظة الغضب تلك؛ فالثورات لا تنتج إرهابًا.

رغم أن النظام السوري يتهم الثورة السورية بأنها إرهاب، فبأي منطق وبأي حجة يمكن تبرير هذا الاتهام، فالثورة تعبير عن لحظة غضب شعبي لا تتجزأ بين شعوب العالم، التي عاشت هذه اللحظة في تاريخها السياسي، فإذا كانت الثورة السورية إرهابًا كما يصفها نظام الأسد، فهذا يعني أن الثورة الفرنسية إرهاب والثورة البلشفية إرهاب والثورة العرابية كأول ثورة عربية في التاريخ الحديث إرهاب أيضًا.

مجزرة بانياس التي ارتكبتها ميليشات الأسد
لقد فتح نظام الأسد أبواب سوريا نحو التقسيم، ونحو هبوب رياح التدخل الدولي، فعندما تقوم بإحراق منزلك، فعليك أن تتوقع بتدخل جارك لبيتك حتى لو لم تطلب منه التدخل، بعد أن رفض كل نداءات الإصلاح، والحلول السياسية التي قدمتها الجامعة العربية والأمم المتحدة عبر مندوبيها، وكذلك بعض الدول العربية التي تصدت لمساعدة سوريا للخروج من أزمتها الإنسانية. وكما تعامل نظام الأسد مع الشعب السوري بعقلية إرهابية صلدة، ووضعه أمام خيارات صعبة ومرة، كان أقساها الشعار الذي رفعه أركان نظام الأسد والقائل الأسد أو نحرق البلد، فبماذا يختلف هذا الشعار عن شعار الجماعات المتشددة التي تريد فرض رؤيتها العقائدية على البشر بالقوة والإرهاب.
هناك خيط رفيع بين نظام الأسد والجماعات الإسلامية، فالكثير من قادة هذه الجماعات مكثوا في سجون نظام الأسد، بل كان نظام الأسد يقوم بمهمة التعاطي مع هذه الجماعات نيابة عن الدول الغربية، كما كشفت السجون السرية التي أقامها نظام الأسد لهذه الجماعات، فلماذا أطلق سراحها من سجونه طالما أنه يعرف بخطرها الكبير على الشعب السوري والبلدان المجاورة؟

إن القضاء على الإرهاب في سوريا، يبدأ من تشخيص السبب الذي أدى لانتشاره، وهذا السبب يتمثل في نظام الأسد وحده دون سواه، فعندما يضع العالم حدًا لجرائم نظام الأسد التي تم توثيقها في مجلس حقوق الإنسان الدولي ومحكمة جرائم الحرب الدولية، يتوقف الإرهاب الذي دمر سوريا وخرب بنيتها التحتية لعشرات السنين. رغم عشرات التصريحات التي أطلقها المسؤولن الدوليون في هذا الصدد.

فنائب مستشار الأمن القومي الأميركي بن رودز صرح مؤخرًا، أن الأسد وحده مصدر الإرهاب في العالم، وكرر وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند نفس الموقف باعتبار الأسد المصدر الأول للإرهاب العالمي، فيما أبدى وزير الخارجية الفرنسي موقفًا لافتًا عندما اعتبر نظام الأسد عدو فرنسا الأول.

المليشيات الشيعية في سوريا 
لو أحصينا الإرهاب في سوريا بلغة الأرقام، لوجدنا البون شاسعًا بين ما ترتكبه قوات الأسد مدعومة بالميليشيات الطائفية المستوردة من إيران ولبنان والعراق وأفغانستان، وتنظيم الدولة (داعش) وقوات الجيش الحر (الثوار)، ففي أحدث إحصائية للشبكة السورية لحقوق الإنسان لحصيلة أعمال القتل في شهر نوفمبر الماضي، تظهر الأرقام سقوط 1169 قتيلًا مدنيًا على يد قوات نظام الأسد، في حين بلغ عدد الذين قتلتهم داعش 107 قتيل من المدنيين، أما المجموعات المسلحة الأخرى فقتلت 70 مدنيًا.

وبالنسبة للمجازر تظهر الأرقام ارتكاب نظام الأسد والميليشيات التي تسانده 31 مجزرة في شهر نوفمبر، توزعت في المناطق التالية (الرقة 7 مجازر، حماة 5 مجازر، درعا 5 مجازر، ريف دمشق 3 مجازر، إدلب 3 مجازر، حمص مجزرتان، دير الزور مجزرتان، دمشق مجزرة واحدة)، أما تنظيم داعش فقد ارتكب مجزرة واحدة والمجموعات المسلحة الأخرى مجزرة واحدة أيضًا.

لقد أدار العالم ظهره للشعب السوري، فبلدان التحالف الدولي، التي حشدت لمحاربة الإرهاب، قصرت حربها ضد تنظيم داعش في العراق، وتغاضت عن محاربة الإرهاب في سوريا، رغم التداخل الجغرافي والتاريخي بين البلدين، لكن حسابات المصالح في العراق تختلف عن حسابات المصالح في سوريا وكما اختلفت في السابق عن ليبيا، ففي سوريا يراد للإرهاب أن يستمر ليستكمل حربه التدميرية ضد الشعب السوري، كما يبدو في صورة المشهد السياسي.