ثائر الناشف

Loading...

الخميس، 13 أغسطس 2015

سوريا رحلة الآلام .. عبور المجر

جاء يوم الثلاثاء الموافق 22 يوليو ، انتظرت مجموعتنا هذا اليوم بفارغ الصبر بعد فشل كل المحاولات السابقة في عبور المجر، وبقينا ننتظر في صربيا لمدة اسبوع كامل من دون جدوى ، لم نكن نعلم ان كنا سننجح في هذا اليوم أم ستمنى جهودنا بالفشل الذريع ، لكن مجرد التحرك والانطلاق نحو نقطة العبور على الحدود الصربية المجرية كان كافيا لرفع معنوياتنا المنهارة .

جلسنا ننتظر منذ الصباح الباكر في حديقة بلدة كينجازي الصربية أي اخبار جديدة من المهرب ابو داود ، مضت الساعات الاولى من دون ان يكون هناك اي اخبار حول رحلتنا الاخيرة نحو النمسا ، ما ادى الى زيادة قلق الكثير من اللاجئين الذين انتظروا لبضعة ايام في نفس الحديقة ، دفعوا اموالا للمهرب من دون أي ضمانات أو سندات مكتوبة .

بدت الساعات الأولى ثقيلة جدا ، زادها ثقلا ، مرضي المفاجئ بالتهاب حاد اصاب حنجرتي ، ما ادى الى اصابتي بزكام حاد ، لم استطيع الحصول على اي ادوية مضادة للالتهاب سوى كبسولة واحدة قدمتها لي سيدة كردية ، بدت لي كطوق نجاة . 

كانت الشرطة الصربية تتجول في أرجاء الحديقة ، تطلب من اللاجئين إبراز ورقة المغادرة التي حصلوا عليها من السلطات الصربية عند دخولهم صربيا ، كان بعض اللاجئين لا يحمل هذه الورقة (الخارطية) والبعض الآخر كان يحملها لكن صلاحيتها (72 ساعة ) انتهت ، فكان عناصر الشرطة الصربية يطلبون من بعض اللاجئين مبلغا من المال قدره 10 يورو لكل شخص لا يحمل هذه الورقة ، طلبوا مني هذا المبلغ ، لكني رفضت الدفع لأي مبلغ تفوح منه رائحة الرشوة . 

بدأ اللاجئون يتناولون طعام الإفطار والغداء من خلال شرائهم للأطعمة والمشروبات من بعض محلات البلدة ، لم اجد طعاما اتناوله في هذا اليوم ، لان المال الذي بحوزتي قد نفذ بشكل كامل ، ولم يبق معي شيئا ، سوى بضعة حبات من التمر (6 حبات ) اشتريتها من بلدة بولي كاسترو اليونانية عندما كنت في طريق العبور نحو مقدونيا .

تناولت ثلاث حبات من التمر وشربت قليلا من الماء ، وقبل موعد الظهيرة حضر المهرب ابو داود واخبرنا اننا سنخرج اليوم الى نقطة الحدود المجرية في محاولة جديدة ، تجهزنا خلال اقل من ساعة ، وفي تمام الساعة الثانية ظهرا ، انطلقنا من بلدة كينجازي الصربية الى نقطة الحدود المجرية ، مشينا حوالي ثلاث ساعات ونصف تحت لهيب الشمس الحارق ، حمل اللاجئون معهم عبوات الماء في حقائبهم ، وخلال الطريق بدأ اللاجئون يستهلكون ما عندهم من ماء ،حتى اضطر بعضهم لتعبئة العبوات من ماء النهر الراكد ، بعد ان نفذ الماء عندهم بشكل كامل . 

كانت مجموعتنا مكونة من اربعين لاجئا ، بينهم ثلاث سيدات ، والقسم الأكبر كان من اللاجئين السوريين الاكراد الهاربين من مدنهم وقراهم في شمال سوريا بسبب خلافاتهم مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (pyd) ورفضهم لنظام التجنيد العسكري في ما يعرف بوحدات حماية الشعب الكردي (ypg)  اما القسم الآخر من الاكراد فكانوا من العائلات الهاربة من قراهم التي سيطر عليها تنظيم الدولة الاسلامية (isis) وكان هناك شبان سوريين مسيحيين هاربين أيضا من التجنيد الاجباري الذي يفرضه نظام الاسد على الشباب للزج بهم في جبهات القتال ضد أبناء الشعب السوري

وصلنا نقطة الحدود المجرية في تمام الساعة الخامسة والنصف ، لم ننتظر طويلا ، تقدم الريبر ابو زياد الى النقطة التي غرق فيها الشاب السوري قبل ثلاثة ايام ، فوجدها آمنة من البوليس المجري ، نادى لنا ان نتقدم بسرعة وهدوء وذكرنا أن نغلق أجهزة الموبايل حتى لا نكشف موقعنا لقوات حرس الحدود المجرية ، وقفنا امام نقطة النهر التي شكلت لنا عقدة كبيرة ، بعد ان فشلنا في عبورها لعدة ايام متتالية، لم يستطع المهرب ابو زياد ان يبني جسرا خشبيا بطول مترين ونصف لعبورنا مياه النهر .

نزل المهرب ابو زياد لمجرى النهر عند النقطة ، وطلب منا أن ننزل فردا فردا الى النهر ، نزل اللاجئون وخاضوا في المياه بعمق نصف متر وبمسافة مترين ونصف ، كان في نهاية المجرى تلة جبلية شديدة الانحدار والصعود ، شكلت هذه التلة بداية الحدود المجرية ، اما مجرى النهر فكان الحد الفاصل بين التلتين الصربية والمجرية . 

خضت مع اللاجئين في مياه النهر ، نجحت في حماية جهاز الموبايل من الغرق في مياه ، عندما رفعته للاعلى ، لكني فشلت في حماية اوراقي الثبوتية وبطاقات العمل من التبلل بماء النهر ، حيث كنت اضعها في حقيبة صغيرة حول خاصرتي .

عبر جميع اللاجئين مجرى النهر ، اجتزنا بصعوبة كبيرة التلة الجبلية بسبب الانزلاقات الطينية التي اصابت التلة من ماء النهر ، وهو ما حدث معي ، عندما صعدت خطوتين لاعلى التلة ثم انزلقت للاسفل نحو مجرى النهر ، لكن المهرب الذي كان يقف في منتصف مجرى النهر ساعدني ودفعني بقوة للأعلى ، مسكت التراب اليابس بيدي وقمت بالانبطاح ارضا على بطني لأثبت نفسي خشية ألا انزلق مرة اخرى ، قام احد اللاجئين بمد جذع شجرة بطول ثلاثة امتار من اعلى التلة الى اسفلها حيث كنت منبطحا على بطني ، وطلب مني ان امسك بالجذع ، مسكت به وبدأ اللاجئ يسحبني للاعلى ، وبدوري قمت بدفع اقدامي للامام . 

نجحت في الصعود لاعلى التلة ، واصبحت على الاراضي المجرية ، كانت ثيابي متسخة بشكل كامل بسبب الطين والوحل الذي اصابها ، قمت بمساعدة اللاجئين المتبقين في مجرى النهر بمد جذع الشجرة من اعلى التلة التي صعدت اليها نحو الاسفل الى مجرى النهر ، بدا التعب والارهاق على اللاجئين بسبب العبور الصعب الذي لم يكن يتوقعه احد منا ، مشينا في الغابة المجرية حوالي نصف ساعة ، اقترب منا رجل شرطة مجري ، اختبأنا بين الاشجار الكثيفة ، حاول الوصول الينا ، لكننا استطعنا الهروب استمر سيرنا في الغابة المجرية المحاذية للنهر لمدة ساعة ، وكانت الوقت قد اقترب من السابعة مساء ، كانت الشمس لاتزال ساطعة ، طلب منا المهرب ان نجلس ارضا بين الاشجار الكثيفة ، وحذرنا من اصدار اي صوت ، كانت تعليمات المهرب وخطته تقضي ان نجلس في الغابة المجرية لمدة ساعتينةونصف حتى تغيب الشمس كليا ويحل الظلام .

جلسنا ننتظر مرور الساعتين ونصف بفارغ الصبر ، بدأ اللاجئون يرشفون الماء الذي حصلوا عليه من النهر ، وكانت الحشرات الطائرة التي تنبعث من الغابة تفتك بنا وتهرش بأجسادنا المنهكة ، تناولت آخر ثلاث حبات تمر ، لأعين جسدي على مواصلة المشي بعد غروب الشمس .

غابت الشمس وحل الظلام ، طلب المهرب ان نتحرك بهدوء ، تحركنا بضع خطوات ثم وقفنا ، تحرك المهرب امامنا ، ثم طلب منا ان نخرج من الغابة ونصعد الى الطريق العام باقصى سرعة ، كان الطريق العام عبارة عن تلة ترابية معبدة بالاسفلت تشكل الحدود المجرية مع صربيا ، صعدنا اعلى التلة ثم هبطنا بسرعة كبيرة نحو الاسفل ، تغلغلنا داخل حقول المزارع المجرية ، بدأنا نمشي بين حقول الذرة وعباد الشمس لمدة حوالي ساعة ونصف ، كان هدفنا الوصول الى بلدة سجد المجرية ، حيث تنتظرنا في تمام الساعة الواحدة ليلا سيارة المهرب لتنقلنا الى النمسا .

واصلنا المشي بين الحقول المجرية بشكل متقطع ، وكنا نستريح من المشي بالجلوس داخل الحقل حتى لا نكشف وجودنا لسكان القرى الذين كانوا يبلغون البوليس عن حركة اللاجئين داخل الحقول ،  توقفنا عن المشي في تمام الساعة 12 ليلا . 

كانت اقدامنا قد اصابها التعب من شدة المشي لمسافات طويلة بين القرى المجرية والصربية ، فمجموع ما مشيناه في ذلك اليوم كان حوالي 40 كيلو مترا ، كان كاحل قدمي قد اصيب بجروح سطحية سببها الحذاء ، وكان باطن قدمي قد انتفخ الجلد وبدا على شكل فقاعات مائية .

وصلنا الى اطراف بلدة سجد المجرية ، وبدا طريق الاوتوستراد الدولي الذي يربط بين دول الاتحاد الاوروبي ماثلا امام اعيننا ، طلب منا المهرب الجلوس ارضا وانتظار قدوم الحافلة لنقلنا للنمسا ، انتظرنا حوالي ربع ساعة ، حضرت حافلة بطول ثلاثة امتار وعرض مترين تقريبا ، صعدنا جميعا الى داخل الحافلة التي كانت على هيئة عربة اسعاف ، اغلق السائق باب الحافلة وانطلق بسرعة كبيرة .

كانت الحافلة صغيرة جدا ، وغير مخصصة لنقل هذا العدد الكبير من الافراد ، تكدسنا داخلها ، لم تكن الحافلة تتسع لاكثر من عشرة اشخاص في احسن الحالات ،  كان عددنا داخلها اربعون لاجئا .

سارت الحافلة التي كنا بداخلها على طريق سريع لمدة اربع ساعات ونصف ، لم يتسن لنا رؤية الطريق ،لاننا كنا داخل صندوق الحافلة ولم نر شيئا على الاطلاق .

كانت هذه الساعات الطويلة ، اشبه بالسجن داخل قفص صغير ، وبرغم ذلك بدا الارتياح واضحا على وجوه اللاجئين الذين تجاوزوا مرحلة الخطر داخل المجر بصعودهم الى الحافلة التي كانت تسير بسرعة كبيرة في منتصف الليل دون توقف . 

كان الاتفاق مع المهرب أن نجلس داخل سيارة نقل لاربعة لاجئين فقط ، لكنه نكث بوعده وفاجأنا بهذه الحافلة التي لم تكن تصلح لنقل هذا العدد الكبير من اللاجئين الذين كانوا مجهدين من عناء يوم شاق ، كنت احتاج للنوم دقيقة واحدة ،نمت واقفا وبشكل متقطع  من شدة التعب والجوع والعطش ليوم كامل .

في تمام الساعة الخامسة والنصف فجرا توقفت الحافلة فجأة ، فتح السائق الباب وطلب منا أن ننزل بسرعة كبيرة قبل ان يحضر البوليس النمساوي ، نزلنا بسرعة من الحافلة ، التقطنا انفاسنا واستعدنا حريتنا من سجن الحافلة ، وانطلقنا نحو حقل صغير يقع خلف مطار فيينا الدولي ، دخلنا الى الحقل وتخلصنا من ثيابنا القديمة المتسخة بالوحل وارتدينا ثياب جديدة نظيفة ، وانطلق كل لاجئ نحو وجهته النهائية سواء كانت في النمسا أو نحو بلدان الاتحاد الاوروبي ، بعد رحلة طويلة حملت الكثير من الآلام والمخاطر والمصاعب .