ثائر الناشف

Loading...

الخميس، 6 أغسطس 2015

سوريا رحلة الآلام .. عقبة الحدود المجرية " خط الدفاع الأول عن أوروبا "

في صباح يوم الجمعة الموافق 17 يوليو ، انطلقت برفقة ثلاثة أصدقاء سوريين إلى مدينة كانيجا الصربية التي تقع على حدود المجر بمسافة 20 كيلو متر ، استغرق الطريق من بلغراد إلى كانيجا بالسيارة حوالي ثلاث ساعات ، وعندما وصلنا البلدة ، استقبلنا ابو داود وهو مهرب سوري يعمل في مجال تهريب اللاجئين من صربيا إلى النمسا . 

لم يكن بمقدوري عبور المجر لوحدي ، لأنه في حال اعتراضي من قبل السلطات المجرية ستكون هناك مشكلة كبيرة ، لأن الشرطة المجرية لا تخير اللاجئ بين البقاء في المجر أو المغادرة كما تفعل اليونان ، بل تجبره على البصم لديها في أقسام الشرطة ، وبالتالي تفقد اللاجئ حقه في الإقامة بدول الاتحاد الأوروبي ، لأن المجر تشارك دول الاتحاد اتفاقية دبلن لعام 1951 والتي لا يحق فيها للاجئ الإقامة وطلب اللجوء في أي دولة أوروبية طالما أنه بصم في دولة أوروبية أخرى .

كان الخيار الوحيد أمامي الاستعانة بمهرب يعرف الطرقات الآمنة والأقل انتشارا لقوات حرس الحدود المجرية ، جرى الاتفاق مع المهرب أبو داود الذي تعهد بإيصالنا للنمسا عبر المرور بالمجر دون وقوعنا في قبضة عناصر الشرطة المجرية ، مقابل مبلغ من المال يترواح من 1400 إلى 1800 يورو للشخص الواحد . 

مضى يوم الجمعة ، دون أن نستطيع الخروج إلى نقطة الحدود الصربية - المجرية رغم أن الاتفاق مع المهرب ابو داود يقضي بالتحرك إلى الحدود في نفس اليوم لكن المهرب تذرع أن الطريق مقفول في هذا اليوم ، وأنه لم يتلق الإشارة من رفاقه الذين يتواجدون عند نقطة الحدود ويراقبون الطريق في الصباح والمساء ، فما كان منا سوى الانتظار لليوم التالي في فندق صغير استأجره المهرب لنا لنمضي ليلتنا الأولى في البلدة .

وعندما طلع علينا يوم السبت ، طلب منا المهرب أن نستعد للانطلاق بعد الظهيرة ، أبدى جميع اللاجئين استعدادهم للخروج في هذا اليوم العصيب إلى نقطة الحدود ، كان الخوف يتملكني بشكل كبير ، أكثر مما لو كنت ذاهبا إلى قاعات الامتحان الدراسي ، أو حتى لساحات الحرب ، لأن الخطأ في العبور ، سيعني ضياع كل الأموال التي انفقت في رحلة الشتات . 

حان وقت الظهيرة ، اجتمع اللاجئون أطفالا ونساء ورجالا في حديقة البلدة ، قام المهرب بفرز اللاجئين الذاهبين إلى ألمانيا والنمسا كل على حدا ، وعندما انتهى من عملية الفرز ، قادنا إلى نقطة الحدود ثلاثة من الريبرية ، والريبر هو الشخص الذي يعمل مع المهرب ويستكشف الطرقات الخطرة بين الغابات ،وبنفس الوقت يتصدى لقطاع الطرق واللصوص الذين يعترضون قوافل اللاجئين في الطريق وسلبهم أموالهم .

كان عددنا حوالي 90 شخصا تم تنظيمنا في مجموعتين ، المجموعة الأولى باسم مجموعة النمسا ، والمجموعة الثانية باسم مجموعة ألمانيا ، مشينا سيرا على الأقدام من بلدة كانيجا إلى نقطة الحدود المجرية حوالي ثلاث ساعات ونصف بمسافة تقدر بعشرين كيلو متر ، وأثناء مسيرنا صادفنا مجموعات متفرقة للاجئين سوريين كانوا يسيرون لوحدهم دون أن يكون معهم مهرب . 

قبل وصولنا نقطة الحدود ، حدث اشتباك بين لاجئين سوريين وقطاع طرق من جنسيات أخرى ، سمعنا أصوات النساء تعلو عاليا من مكان لا يبعد عنا كثيرا ، ركض الريبرية نحو موقعة الاعتداء ، وتدخلوا بشكل عاجل لردع قطاع الطرق الذين أشهروا أسلحتهم البيضاء والنارية بوجه اللاجئين العزل ، نجح الريبرية السوريين الذين يتمعتون بشجاعة قوية في ردع قطاع الطرق وحماية اللاجئين الذين كانوا يسيرون لوحدهم .

عند وصولنا نقطة الحدود ، اختبأنا بين الأشجار الكثيفة ،تقدم أحد الريبرية لاستكشاف نقطة العبور ، وعندما وجدها خالية من عناصر البوليس المجري ،اتصل عب الهاتف بزميله الذي كان برفقتنا وأعطاه الضوء الأخضر لعبورنا ، وقبل أن نتحرك ، طلب منا الريبر أن نغلق أجهزة الهواتف النقالة قبل دخولنا الأراضي المجرية ، لأن البوليس المجري يمكن أن يحدد موقعنا عبر رصد إشارة البث التي ترسلها هواتفنا النقالة . 


تحركنا نحو نقطة العبور ، كانت النقطة عبارة عن مجرى نهر صغير متفرع من نهر الدانوب ، وضع المهرب سلما خشبيا صغيرا فوق مياه النهر لمساعدة اللاجئين في العبور ، اصطف اللاجئون عند السلم ،عبرالأطفال والنساء أولا ، ثم جاء دور الرجال ، عبر قسم من الرجال للضفة الأخرى ، وعندما جاء دوري بالعبور ، كان عناصر البوليس المجري قد اقتربوا منا ، فلم يكن باستطاعتي المجازفة بالعبور ، لأن في ذلك مخاطرة كبيرة جدا ، تراجعت إلى الوراء مع حوالي ثلاثين شابا ، وركضنا مسرعين باتجاه الغابة الصربية ، سمعنا أصوات البوليس المجري ينادوننا أن نأتي إليهم ولا نخاف ، لكننا لم نستجب لهم .

نجح النساء والأطفال وبعض الرجال في العبور نحو المجر وساروا في غاباتها بضع ساعات ، ثم نقلهم المهرب بسيارته من المجر  إلى النمسا ،أما نحن فكان الفشل والإحباط من نصيبنا ، وبعد لحظات قصيرة من جلوسنا في الغابة الصربية ، حاولنا مرة أخرى الوصول إلى ضفة النهر ، وإعادة المحاولة من جديد ، لكننا فشلنا للمرة الثانية ، لأن عناصر البوليس المجري انتشروا بكثافة حول النهر بعد أن كشفوا عبورنا الأول ، لم نفقد الأمل ، أعدنا المحاولة بعد مرور ثلاث ساعات على المحاولة الأولى ، كانت الغابة تعيش في ظلام دامس ، والوقت أصبح متأخرا في منتصف الليل ، وعندما وصلنا إلى مجرى النهر تفاجأنا بوجود البوليس المجري في مثل هذه الساعة المتأخرة ، وأصبح ينادينا باللغة العربية : مرحبا سوري مرحبا ، وبالانكليزية هل بإمكانك أن تثق بي ، تراجعنا إلى الوراء وانسحبنا نحو الغابة الصربية ونحن في حالة إحباط كامل . 

لم يكن بمقدورنا العودة إلى بلدة كانيجا لأن المسافة بعيدة جدا ، والوقت كان متأخرا والمخاطر كبيرة جدا ، ومن شدة التعب نمنا على أرض الغابة ، ولم يكن معنا سوى القليل من الماء ، اضطر بعض اللاجئين للشرب من مياه النهر الراكدة وغير الصالحة للاستعمال وكانت الغابة تعج بالحشرات الطائرة والزاحفة التي كانت تفتك بأجسادنا وتسرق النوم من عيوننا.



طلع علينا فجر يوم الأحد  دون أن استطيع النوم طوال الليل ، كان اللاجئون نائمين في الغابة رغم الصعوبات الكبيرة ، شاهدت سيدة تقترب نحو الغابة ، كانت تحمل بيدها سلة ، مشيت باتجاهها لأعرف ماذا تريد منا في هذا الوقت ، قدمت لي ثلاث عبوات من الماء الصالح للشرب،  تحدثنا إلى بعض بالإنكليزية رحبت بي وعرفت بنفسها وقالت لي أنا مونيكا من المجر ، أخبرتني أن أبلغ اللاجئين السوريين أن يسلموا أنفسهم للبوليس المجري ، لأن البوليس ينتشر بكثافة في كافة أنحاء الطريق ، وأنه بإمكان اللاجئين أن يبصموا لدى السلطات المجرية وبعد ذلك يستطيعون مواصلة طريقهم إلى المانيا ، أخبرتها أننا لا نريد البصمة في المجر لأن ذلك سيحرمنا من طلب اللجوء في بلدان الاتحاد الأوروبي .

وفي منتصف يوم الأحد ، كان الجو حارا جدا في الغابة ، اقترح الريبر أن ارافقه إلى شاطئ النهر ، كان الريبر ورفاقه يعرفونني جيدا بحكم تواجدي في وسائل الإعلام وكان يزعجهم ما كنت أمر به من مصاعب ، قفز الريبر ورفاقه الى مياه النهر للسباحة والانتعاش من الجو الحار ، وبعد وقت قصير وصل شاب سوري كان يقيم في السويد متزوج ولديه طفلة صغيرة ، نادى الشاب للريبر أبو حسين وطلبه في حديث خاص ، تم الاتفاق بينهما على أن يساهم الشاب في تجهيز الجسر الخشبي من أغصان الأشجار ، وهو الجسر الذي كنا سنعبر عليه نقطة النهر من صربيا إلى المجر . 

انشغل الشاب في بناء الجسر الخشبي ، فيما نحن ذهبنا الى الغابة للاستعداد للانطلاق نحو المجر ، ومن ثم إلى النمسا ،كنا بانتظار إشارة من الشاب حال انتهاءه من بناء الجسر ، وبعد مرور نصف ساعة ، وصلنا خبر غرق الشاب السوري في مياه النهر ، ذهبنا نستطلع الخبر ، عرفنا من مصادر متعددة أن الشاب غرق في النهر بعد أن حاصره البوليس المجري ، أثناء بنائه للجسر الخشبي ، وجد نفسه مطوقا بالبوليس المجري ، لم يكن أمامه سوى السباحة في النهر ، سبح لمنتصف النهر ، وفجأة غطس الشاب نحو أسفل النهر ، ولفظ أنفاسه الأخيرة غريقا في النهر.

استنفر البوليس المجري عند نقطة الحدود مع وصول خبر الشاب الغريق ، وكذلك استدعى الموقف الحرج تدخل البوليس الصربي للعثور على جثة الشاب في الجانب الصربي من الحدود ، تأزم الوضع وأصبح معقدا للغاية ، ولم يعد بمقدورنا العبور نحو المجر ، فالحدود أصبحت شبه مغلقة ، وما كان منا سوى العودة نحو بلدة كانيجا الصربية ، حملنا حقائبنا وأقفلنا عائدين من الغابة الحدودية إلى البلدة التي تبعد حوالي عشرين كيلو مترا عند نقطة الحدود . 

مشينا في بداية مساء الأحد سيرا على الأقدام المتعبة حوالي ثلاث ساعات ونصف ، عددنا حوالي أربعين لاجئا سوريا ، كنا في حالة يأس شديد وإحباط كبير ، فبدلا من أن نسير داخل الاراضي المجرية ، ها نحن نسير عائدين نحو عقدة صربيا ، وأصدقائنا الذين كانوا معنا في أول محاولة  وصلوا ألمانيا وهولندا وبلجيكا .

وصلنا إلى بلدة كانيجا في تمام الساعة الثانية عشر ليلا ، كان التعب قد أصابنا بمقتل ، لم أجد مكانا أنام  فيه في فندق المهرب ابو داود ،لأن الفندق صغير جدا وهو مخصص لنوم النساء والأطفال في أغلب الحالات ، فلم أجد سوى الحديقة ، استلقيت على أرض الحديقة ونمت بعمق كبير كما لو أنني لم أنام منذ عام كامل . 


في صباح يوم الاثنين استيقظت على كلمات ضابط الشرطة الصربية ، طلب مني النهوض لأن النوم في الحديقة ممنوع ، استيقظت بصعوبة ، شعرت بألم في حلقي والتهاب حاد جدا أصابني في منطقة الحلق بسبب التعب والبرد الذي اصابني نتيجة النوم في الحديقة ليلا .

مضى يوم الاثنين بطئيا ، فقد كنت في حالة نفسية سيئة لفشل كل محاولات العبور ، وفي حالة جسدية متعبة بسبب التهاب الحلق ، أمضيت يوم الاثنين انتقل من شجرة لأخرى بحثا عن الظل والفيء هروبا من أشعة الشمس الحارة ، ولم يبق معي من المال سوى 2 يورو فقط ، استطعت شراء سندويشة ، اسندت بها جوعي طوال يوم الاثنين . 

حملت نفسي على الصبر في هذا اليوم العصيب ، مضى يوم الاثنين بكل آلامه وأوجاعه ، وجاء يوم الثلاثاء يوم الخلاص من عقدة المجر والعبور نحو النمسا ، رغم المرض والتعب وعدم وجود طعام أو دواء .