ثائر الناشف

Loading...

الأحد، 26 يوليو 2015

سوريا رحلة الآلام .. عبور البحر نحو اليونان

في صباح يوم الثلاثاء الموافق للسابع من شهر يوليو ، انطلقنا على متن قارب مطاطي (بلم ) طوله 9 أمتار وعرضه حوالي مترين ، وكان عددنا أربعين رجلا وامرأة وخمسة عشر طفلا . 

بدأت رحلتنا بتدريب المهرب التركي لشاب سوري من اللاجئين يدعى عبودي لقيادة القارب المطاطي ، لأن المهرب لا يشارك بمثل هكذا رحلة خطيرة ، ودوره ينتهيعند جلوس اللاجئين على متن القارب ، لأنه في حال إلقاء القبض على المهرب سيحاكم بجناية تهريب البشر التي تصل مدة محكوميتها بالسجن بحسب القوانين الدولية من 7 إلى 15 سنة . 


في تمام الساعة الثامنة صباحا صعد اللاجئون تباعا إلى القارب المطاطي وهم في حالة رهاب وخوف ، وجميعهم ارتدى سترة الإنقاذ في حال حصول الغرق . 


صعدت آخر شخص إلى القارب ،بمبادرة شخصية مني حتى تأكدت أن الكل صعد ، ولتفضيل صعود  النساء والأطفال والرجال على صعودي ، فسبب وجودي هنا مشاركة الشعب السوري مأساته ومعاناته ولأسير معه في رحلة الآلام وصولا للحرية والسلام المنشود .


بدأ القارب المطاطي يشق عباب بحر إيجه من جزيرة جشمه التركية نحو جزيرة خيوس اليونانية التي تبعد حوالي عشرين كيلو متر بات الارتباك واضحا على وجوه اللاجئين في نصف الساعة الأولى من موعد الانطلاق ، وبدأ النساء والأطفال يستفرغون ما في بطونهم من طعام وشراب بسبب اصابتهم بدوار البحر ، رغم أننا لسنا في بحر مفتوح ، لكن رهبة البحر الموت تدفع الإنسان للتقيؤ في مثل هكذا حالات. 


وعند اقترابنا من المياه الأقليمية اليونانية ، تنفس اللاجئون السوريون الصعداء ، وبدأ السائق عبودي يشجعهم على الغناء ، ويرسم في مخيلتهم روعة اليونان وحنانها عليهم كلاجئين ، وراح الجميع يغني بشكل لا شعوري اغاني من التراث الشعبي السوري ، لطرد الخوف من النفوس ،ففي أسوأ الحالات لو اقتربت منا قوات خفر السواحل اليونانية ،ستقوم إما بمحاصرتنا لدفعنا للتراجع إلى المياة التركية ، أو ستقوم بإنقاذنا وسحبنا إلى الشوطئ اليونانية في حال تعاطفت معنا وقررت مساعدتنا من دون مضايقات . 


 ولحسن حظنا لم تعترضنا قوات خفر البحرية اليونانية ، ولم تتحرك باتجاه قاربنا المطاطي ، رغم أننا كنا قبالة جزيرة خيوس ، وبمواجهة منازل اليونانيين ، وقبل وصولنا الشواطئ اليونانية بحوالي 4 كيلو متر ، تعطل محرك القارب المطاطي ، ولم يعد يعمل بسبب طول ساعات الإقلاع التي أرهقت المحرك ،وقد تعدت ساعات عمل المحرك حوالي ساعتين ونصف الساعة .


وفي العادة تتعطل أغلب محركات القوارب لأن المهربين لا يضعون محركات ذات قدرة تشغيلية عالية ، بل يستخفون بحياة اللاجئين ، ويضعون محركات صينية بنوعية رديئة . 


عندما توقف القارب وسط البحر سدت حالة من الرعب والخوف في نفوس اللاجئين السوريين ، وخلال بضعة دقائق ، قام أحد اللاجئين بإعادة تشغيل المحرك ، اشتغل المحرك لأول مرة ولكن دون أن يسير القارب خطوة واحدة ، اعدنا المحاولة لمرة ثانية ، فاستجاب المحرك وانطلق القارب نحو الشاطئ ، وقبل وصولنا الشاطئ اليوناني ، ارتفعت أيادينا للأعلى بإشارات التحية للمواطنين اليونانيين ، وعند وصولنا رمال الشاطئ،  نزلنا جميعا ، وتوجهنا للشرطة اليونانية لتسجيل دخولنا بشكل قانوني .





التقينا في طريق صعودنا لأعلى الجزيرة بضابط يوناني من قوات البحرية اليونانية ، قام بتسجيل اسماءنا بدءا من الأطفال فالنساء ثم الرجال ، وأحضرت لنا الشرطة اليونانية ماء للشرب لحين وصول الباص إلينا ، وعند وصول الباص ، تم نقلنا إلى كامب الجزيرة المخصص لإيواء اللاجئين بشكل مؤقت لحين تخليص الإجراءات القانونية . 


وصلنا إلى الكامب بعد حوالي نصف ساعة من انطلاق الباص ، كان الكامب عبارة عن سفح جبل مرتفع عن سطح البحر ، وقبل دخولنا للكامب ، سلمنا أجهزة الاتصالات الخليوية لعناصر الأمن اليوناني ، ودخلنا إلى باحة الكامب التي بدت ممتلئة بالنفايات ومخلفات الطعام  نتيجة تكدس أعداد كبيرة من اللاجئين من جنسيات مختلفة في المكان الضيق . 


كانت غرف الكامب عبارة عن مهجع عسكري ، لا يوجد فيها حمامات صالحة للاستخدام ، وكانت أغطية الأسرة متسخة وليست نظيفة ، رغم أن الكامب في أيام افتتاحه الأولى قبل حوالي ثلاث سنوات كان في أحسن حالاته ، مقارنة بحالته المتدهورة اليوم .


وبعد دوراني في مختلف أجنحة الكامب ، عثرت أخيرا على غرفة صغيرة تتسع لثلاثة أشخاص ، لا يوجد فيها حمام ولا كهرباء ، لم يكن فيها سوى صنبور (حنفية) ماء للغسيل ، وكانت هناك الكثير من العوائل السورية لم تستطيع النوم في غرف الكامب لأن الغرف لم تتسع لجميع اللاجئين الوافدين . 


كان طعام الكامب عبارة عن وجبتين في اليوم الواحد ، غداء وعشاء ، وجبة الغداء كانت عبارة عن طبق أرز مع قطعة لحم دجاج ورغيف خبز  ، أما وجبة العشاء كانت عبارة عن طبق معكرونة مع زجاجة ماء . 


في اليوم الثاني من دخولنا الكامب ، اتممنا كافة الإجراءات القانونية التي شملت تصويرنا وتبصيمنا وانتهت الاجراءات ، بمنحنا ورقة طرد ( خارطية ) مدتها ستة أشهر ، خلال هذه الفترة نستطيع الإقامة في اليونان بلا مشاكل ، وبعد انقضاء المدة ، نصبح مطالبين بالحصول على الإقامة ، لكن أغلب اللاجئين يغادرون اليونان في اليوم التالي كما حصل معنا ، حيث قررت المغادرة إلى أثينا بالباخرة ومنها إلى سالونيك بالقطار ، لتبدأ بعدها رحلة الدخول إلى مقدونيا .